واو عمرو من التراث إلى علم اللغة الحديث

واو ” عمرو ” بين التراث وعلم اللغة الحديث
أد علي إبراهيم محمد
أستاذ أصول اللغة بجامعة الأزهر
يذكر كثير من القدامى أن الواو الزائدة في “عمرو” في حالة كون الاسم مرفوعًا أو مجرورًا للتفريق بين الكلمة في هاتين الحالتين الإعرابيتين وبين كلمة “عُمَر” مرفوعًا ومجرورًا، وقالوا إن الزيادة كانت واوًا ولم تكن ياءً لئلا يلتبس بالمضاف إلى ياء المتكلم ولم تكن ألفًا لئلا يلتبس المرفوع بالمنصوب، وقالوا إن الزيادة جعلت في “عَمْرو” دون “عُمَر” لأن الأول أخف من الثاني من حيث بنائه على “فَعْل” ومن حيث انصرافه.
وهذا التفسير هو المتبع لدى القدامى في توجيه الظواهر التي خالفت قوانين الكتابة، وهو لا يستقيم لهم – في نظري – لأنه يمكن أن يفرق بين الكلمات من خلال دلالة السياق، كما أن من القدامى أنفسهم من أدرك ضعف هذا التوجيه حين قال: ولو زيدت الواو في كل اسم أشبهه آخر لصار أكثر الكلام بواو مثل قَلْب وَقُلَب.
ويذكر سيبويه تعليلا آخرا حين ينقل عن أبي الخطاب أنه زعم “أن أزد السراة يقولون هذا زيدو وهذا عمرو ومررت بزيدي وبعمرى جعلوه قياسًا واحدًا فأثبتوا الياء والواو كما أثبتوا الألف.
ومعنى ما نقله سيبويه عن أبي الخطاب أن الواو في “عمرو” بدل من التنوين المرفوع في حالة الوقف على الكلمة عند قبيلة أزد السراة يدل على ذلك أن سيبويه يقول قبل هذا: “أما كل اسم منون فإنه يلحقه في حال النصب في الوقف الألف “، ثم يقول “فأما في حال الجر والرفع فإنهم يحذفون الياء والواو لأن الياء والواو أثقل عليهم من الألف، فإذا كان قبل الياء كسرة وقبل الواو ضمة كان أثقل”.
وما ذكره سيبويه يلتقي مع ما قاله بعض المحدثين – كما سيأتي – أما المحدثون فقد اتفق كثير منهم على أن الواو في كلمة “عمرو” من بقايا تأثر الكتابة العربية بالنبطية، فالذي يرجع إلى نقش زبد المؤرخ سنة 511م ، ونقش حران المؤرخ سنة 568م وهما أقدم النقوش التي تمثل الكتابة العربية في مراحلها الأولى يلحظ أنه توجد واو في آخر الأعلام المنونة كما في اللغة النبطية ، من ذلك كلمة “شرحو” في نقش زبد في السطر الثاني ، وكذلك كلمة “سعدو” في السطر نفسه من هذا النقش ، أما في نقش حران فتجد كلمة “ظلمو” “ظالم” في السطر الأول مرسومة بزيادة الواو وزيادة الواو في كلمة “عمرو” في هذه الكلمات التي وجدت في النقشين السابقين تدل على أن العرب اقتفت أثر النبط عندما أخذت الكتابة النبطية قلمًا لها.
وقد اختلف المحدثون في سبب وجودها في الكتابة النبطية فيرى نولدكه أن هذه الواو دالة على حركة الإعراب وهو يرى “أن حركات الإعراب كانت في الأصل طويلة ومن ثم عبر عنها بالواو والياء والألف.
وهذا الرأي – كما وصفه بعضهم – “واضح البطلان من جهات عديدة منها ما أشار إليه بعض المستشرقين أنفسهم من أن الحركات الإعرابية لم تكن في الأصل السامي طويلة كما يزعم نولدكه وإنما كانت حركات قصيرة أي ضمة، فتحة، كسرة، في المفرد وطويلة في الجمع إذ يقابل الضمة والنون في “محمد” الواو والنون في “محمدون”، ويضاف إلى ذلك ظهور الواو في المضاف إليه بدلا من الياء كما هو متوقع.
ويرى كانتينيو أن الواو في نهاية الأسماء ومنها “عمرو” إما أنها كانت تميز الضمة الممالة التي تحولت إليها أداة التعريف في الآرامية، وإما أنها اختصار للمضاف إليه في الأسماء المركبة تركيبا إضافيًّا وذلك حين يكون المضاف إليه اسمًا لأحد الآلهة.
ويرد هذا الرأي أن الواو وجدت في كلمات لا يمكن تعريفها وفقًا لقواعد التعريف في الآرامية وهي الكلمات المضافة مثل” ربو جذيمت”، كما يرد هذا الرأي أيضًا “أن العديد من الأسماء المختومة بالواو لا يمكن أن تكون بقايا مركب إضافي مثل الكثير من أسماء الحيوانات والنباتات والأمكنة التي لا يتصور إضافتها إلى أسماء الآلهة”.
ويرى عبد الفتاح البركاوي أن هذه الواو توضح لنا وضع هذه الكلمات في حالة الوقف عليها ودخلت هذه الواو في اللغة النبطية في الأسماء التي تنتهي بالواو عن طريق تأثر اللغة النبطية بلهجة “طيء” التي تقف على الأسماء المقصورة بالواو أحيانًا وبالياء أحيانًا أخرى ، واللغة النبطية عاملت هذه الكلمات معاملة المقصور لأنها كانت تنتهي بالألف التي تفيد التعريف والتي قد أخذها النبط عن الآراميين ثم فقدت هذه الألف وظيفتها فعامل النبط هذه الأسماء معاملة المقصور في طريقة الوقف وذلك بالتأثر بلهجة “طيء” التي تسلك هذا المسلك- في نظر البركاوي – وذكر أن قبيلة “طيء” كانت تقف على الاسم المقصور تارة بالواو وتارة بالياء معتمدًا في ذلك -كما ذكر – على ما جاء عند سيبويه 2/287 والحجة لأبي علي الفارسي 1/64.
ولم أفهم من كلام سيبويه إلا أن بعض طيء يقف على الكلمات المقصورة بالواو حيث قال “وأما طيء فزعموا أنهم يدعونها في الوصل على حالها في الوقف لأنها خفية لا تحرك قريبة من الهمزة. حدثنا بذلك أبو الخطاب وغيره من العرب وزعموا أن بعض طيء يقول “إفعو” لأنها أبين من الياء ولم يجيئوا بغيرها لأنها تشبه الألف في سعة المخرج والمد”.
ثم إن هذه الظاهرة – الوقف بالواو – غير مقصورة على الأسماء المقصورة يقول سيبويه “وزعم أبو الخطاب أن أزد السراة يقولون هذا زيدو وهذا عمرو ومررت بزيدي وبعمرى ..”.
لذلك أرى مع البركاوي أن الواو في الأسماء النبطية لبيان طريقة الوقف، واختلف معه في كون النبطية تأثرت في ذلك بلهجة طيء فقط، أو أنها عاملت هذه الأسماء معاملة المقصور لأن الوقف بالواو أو الياء ليس مقصورًا على الأسماء المقصورة وليس مقصورا على قبيلة طيء فقط. وهنا أشير إلى أن سيبويه التقى مع بعض المحدثين في تفسير الواو في “عمرو” بأنها لبيان طريقة الوقف على الكلمة عند بعض القبائل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *